مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد سليمان

قهوة الصباح

إفريقيا التى لا يعرفها الكثيرون

 

جميعنا يتحدث عن القارة السمراء، وعن أهميتها الاستراتيجية، وعن العمق التاريخى والجغرافى لمصر داخل إفريقيا، فى إطار ما يمكن تسميته بـ«فقه الينبغيات» ذلك الفقه الذى يزدهر فيه الكلام وتلمع فيه الشعارات، بينما يبقى الواقع فى مكانه لا يتحرك خطوة واحدة إلى الأمام. الكلمات جميلة، والأفكار براقة، والطموحات تحلق فى السماء، لكن الحقائق لا تُقاس بالأمنيات، وإنما بالأرقام والمصالح وحجم الحضور الحقيقى على الأرض.


بعيدًا عن الجدل النظرى بين فريق الواقع وفريق المأمول، دعونا نفتح دفتر الحسابات الذى لا يكذب. كم يبلغ حجم التجارة البينية بين مصر والدول الإفريقية؟ وما حجم الاستثمارات المتبادلة؟ وكيف تبدو خريطة التعاون العلمى والثقافى والإعلامي؟ وهل نحن بالفعل فى موقعنا الطبيعى داخل القارة التى ننتمى إليها جغرافيا وتاريخيا وسياسيا؟ أم أننا ما زلنا نتحرك بأقل كثيرًا من إمكاناتنا الحقيقية؟


إذا كانت الإجابة بأن كل شيء على ما يرام، وأن الوضع مثالى وليس فى الإمكان أبدع مما كان، فخير وبركة، ويمكن اعتبار هذا المقال لغوًا لا قيمة له، وكفى الله المؤمنين شر التساؤلات. أما إذا كانت الإجابة بالنفي، وهى الأقرب إلى الواقع، فإن السؤال الحتمى يصبح: ماذا نحن فاعلون إذن؟ وأين نريد أن نصل؟ وكيف نصل؟ ومن يملك القدرة على تحويل الطموحات إلى سياسات ومشروعات ومصالح متبادلة؟


الحقيقة التى لا يمكن إنكارها أن الإرادة السياسية المصرية تنظر إلى إفريقيا باعتبارها قضية أمن قومى ومجالًا استراتيجيًا بالغ الأهمية. ويكفى التذكير بأن أول زيارة خارجية قام بها الرئيس السيسى بعد توليه المسؤولية كانت إلى لحضور قمة إفريقية فى العاصمة مالابو، وقبلها توقف فى الجزائر فى رسالة سياسية تحمل دلالات واضحة. كما أن مراجعة بسيطة لخريطة الزيارات الخارجية واللقاءات الرئاسية تكشف بوضوح أن القادة الأفارقة يحتلون مساحة كبيرة فى التحرك الدبلوماسى المصرى خلال السنوات الأخيرة.


الخلاصة أن الإرادة السياسية موجودة، والرؤية الاستراتيجية واضحة، لكن السؤال الأهم: هل تتحرك باقى المؤسسات والهيئات والقطاعات بنفس الدرجة من الوعى والحماس؟ وهل لدينا خطة متكاملة لتحويل هذا الحضور السياسى إلى نفوذ اقتصادى وثقافى وعلمى وإعلامى دائم ومستدام؟


إفريقيا ليست مجرد سوق كبيرة، وليست فقط ملفًا مرتبطًا بالمياه أو الأمن، بل هى قارة المستقبل بكل المقاييس. قارة تمتلك ثروات هائلة، وكتلة بشرية شابة، وفرصًا اقتصادية ضخمة، وأسواقًا واعدة، ومساحات مفتوحة للتأثير والتعاون والشراكة الحقيقية.

الحقيقة أننى الآن فى زيارة إلى عدة دول إفريقية، ولمست بيدى حجم الفرص المتاحة أمام مصر، كما لمست بقلبى حجم الحب والتقدير الذى يحمله الأفارقة لمصر وشعبها وتاريخها. وهذا الرصيد المعنوى الكبير أخطر من الذهب وأثمن من كثير من الحسابات الضيقة، لكنه يحتاج إلى من يحسن استثماره والبناء عليه.